محمد راغب الطباخ الحلبي

141

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

يشرحها ويستشهد عليها ، حتى انتهت الكلمات . ثم أطرق ساعة مفكرا ورفع رأسه وقال : كأني بكم وقد وضعتم هذه الكلمات لتمتحنوا بها معرفتي وثقتي في روايتي ، وو اللّه لئن لم تكشفوا لي الحال وتدعوا المحال وإلا فهذا فراق ما بيني وبينكم . فقالوا له : واللّه الأمر كما قلت ، وما عدوت ما قصدناه . فقال : سبحان اللّه : واللّه ما أقول إلا ما قالته العرب ، وما أظن أنها نطقت « 1 » . والرايد لا يكذب أهله . وأما العبد إذا كذب سيده فبعد ولا سعد والجاهل من لا يعرف نفسه ، والذاهل من لا يذكر أمسه . ولنفسي الجانية أقول : أعييتني بأشر وكيف بدردر ، أعيت رياضة الهرم وعصر الماء من الجمر المضطرم ، إن كذبت فعن الخير أعذبت ، ما اعتزلت حتى جددت وهزلت ، فوجدتني لا أصلح لجدّ ولا هزل ، فعندما قنعت بالأزل . وما حمامة ذات طوق يضرب بها المثل في الشوق ، كانت في وكر مصون بين الشجر والغصون ، تألف من أبناء جنسها ريدا فيتراسلان تغريدا ، أسكنها نعمان الأراك ، تأمن به غوايل الأشراك ، تمرّ في بكرتها بالبيت الحرام ، لا تفرق لطريق صايد ولا رام ، فغرّها القدر فخرجت من الأرض المحرّمة ، فأصبحت وهي جدّ مغرمة ، صادها وليد في الحلّ ما حفظ لها من إلّ ، فأودعها سجنا للطير ، ومنعها من كل مير ، فإذا رأت من خصاص القفص بواكر الحمام ظلت تمارس من جرع الحمام ، تسأل بطرفها أخاها : ما فعل بعدها فرخاها ، فيقول : أصبحا ضائعين قد سترهما الورق عن كل عين . فريخان ينضاعان في الفجر كلما * أحسّا دويّ الريح أو صوت ناعب بأشوق إلى العيشة النضرة مني إلى تلك الحضرة ، لكن صنع الزمان ما هو صانع ، واعترض دون الخير مانع ، حال الغصص دون القصص والجريض دون القريض . المورد نمير أزرق ولكن المدنف بالشراب يشرق .

--> ( 1 ) نبهت الطبعة المصرية إلى أن ههنا نقصا .